محور “الأمعاء-الدماغ”.. كيف تتحكم البكتيريا في نوبات الهوس والاكتئاب؟

صحة

محور “الأمعاء-الدماغ”.. كيف تتحكم البكتيريا في نوبات الهوس والاكتئاب؟

كشفت دراسة طبية حديثة نُشرت في عام 2025 عن نتائج مذهلة تربط بين توازن الميكروبيوم (بكتيريا الأمعاء) وبين حدة أعراض اضطراب ثنائي القطب. وأوضح الباحثون أن الأمعاء ليست مجرد عضو للهضم، بل هي “دماغ ثانٍ” يرسل إشارات كيميائية تؤثر مباشرة على الحالة المزاجية والوظائف الإدراكية. أظهرت الفحوصات أن المرضى الذين يعانون من نوبات حادة من الهوس أو الاكتئاب لديهم تنوع بكتيري أقل بكثير مقارنة بالأشخاص الأصحاء، مع وجود نقص ملحوظ في سلالات بكتيرية معينة مسؤولة عن إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة التي تحمي الدماغ من الالتهابات. هذا الخلل البكتيري يؤدي إلى زيادة نفاذية الأمعاء، مما يسمح بتسرب مواد كيميائية ضارة إلى مجرى الدم ومن ثم إلى الدماغ، مما يفاقم من عدم الاستقرار الكيميائي الذي يميز اضطراب ثنائي القطب.

وتشرح الدراسة أن هذه البكتيريا الضارة تفرز نواقل عصبية زائفة تتداخل مع عمل الدوبامين والسيروتونين، وهما المسؤولان عن تنظيم السعادة والنشاط. في حالات الهوس، وُجد أن هناك نشاطاً مفرطاً لأنواع معينة من البكتيريا التي تحفز الجهاز المناعي بشكل زائد، مما يؤدي إلى حالة من التهيج العصبي. أما في حالات الاكتئاب، فإن غياب البكتيريا النافعة يقلل من إنتاج مادة “GABA” المهدئة، مما يجعل المريض أكثر عرضة لنوبات الحزن العميق والقلق. هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام نوع جديد من العلاجات التكميلية يسمى “سايكوبيوتيك” (Psychobiotics)، وهي بكتيريا حية يتم تناولها كمكملات غذائية لإعادة التوازن للبيئة المعوية، مما قد يساعد في تقليل وتيرة النوبات وتقليل الحاجة لجرعات عالية من الأدوية النفسية التقليدية.

إن أهمية هذه الدراسة تكمن في تغيير النظرة التقليدية للاضطرابات النفسية كأمراض “عقلية بحتة”؛ فالعلاقة بين ما نأكله وبين استقرارنا النفسي أصبحت أوثق مما نتخيل. وتوصي الدراسة الأطباء النفسيين بضرورة فحص الحالة الهضمية للمرضى كجزء من بروتوكول العلاج الشامل. فمن خلال تحسين جودة الغذاء والتركيز على الألياف والمخمرات الطبيعية، يمكن تعزيز نمو البكتيريا الصديقة التي تعمل كدرع واقي للدماغ. إن الحفاظ على أمعاء صحية قد يكون هو المفتاح المفقود للسيطرة على تقلبات المزاج العنيفة، مما يمنح مرضى ثنائي القطب فرصة لحياة أكثر استقراراً وهدوءاً بعيداً عن صراعات النوبات المتلاحقة التي تستنزف طاقتهم النفسية والجسدية.