فصيلة دم نادرة: لغز جديد يثير اهتمام العلماء
في عالم يكتظ بالأسرار، لا يزال جسم الإنسان يحمل العديد من المفاجآت. وعلى الرغم من عقود من الأبحاث والاكتشافات، ظهرت مؤخرًا فصيلة دم نادرة، لتُعيد فتح النقاش حول تعقيد نظام الدم البشري. هذه الفصيلة، التي لم يكن العلماء يعلمون بوجودها سابقًا، تُسلّط الضوء على الأهمية الكبيرة لعمليات نقل الدم الآمنة، وتطرح تساؤلات جديدة حول كيفية إدارة عمليات نقل الدم للمرضى الذين يحتاجون إلى هذه الفصيلة النادرة.
اكتشف العلماء مؤخرًا فصيلة دم نادرة للغاية أُطلق عليها اسم “غوادا السلبية” (Gouda negative)، لتنضم إلى قائمة فصائل الدم المعروفة التي يبلغ عددها 48. ويعود الفضل في هذا الاكتشاف إلى باحثين فرنسيين، حيث تم تحديد هذه الفصيلة الفريدة من خلال فحص دم روتيني استثنائي.
غوادا-سلبية”: لغز الدم النادر
بدأت قصة اكتشاف فصيلة الدم الثامنة والأربعين، والتي سُميت “غوادا-سلبية”، عندما أظهرت بلازما دم امرأة من غوادلوب تفاعلاً غريباً مع جميع عينات الدم التي تم فحصها من متبرعين محتملين، بما في ذلك عينات من أشقائها. هذا التفاعل جعل العثور على متبرع دم متوافق معها أمراً مستحيلاً.
هذه الفصيلة النادرة تختلف عن فصائل الدم المعروفة لدينا، مثل A، B، AB، أو O، سواء كانت موجبة أو سالبة. ففي الواقع، تمثل هذه الفصائل المألوفة نظامين فقط من عشرات الأنظمة المختلفة التي تحدد توافق الدم. كل نظام من هذه الأنظمة يعكس اختلافات دقيقة ولكنها جوهرية في البروتينات والسكريات الموجودة على سطح خلايا الدم الحمراء، مما يجعل لكل شخص بصمة دم فريدة.
التحليل الجيني يكشف سر “غوادا-سلبية”
من أجل حل لغز دم المرأة من غوادلوب، اتجه العلماء نحو التحليل الجيني المتقدم. باستخدام تقنية تسلسل الإكسوم الكامل، التي تتيح فحص جميع الجينات البشرية التي تزيد عن 20 ألف جين، اكتشف الباحثون طفرة في جين يُعرف باسم PIGZ.
ينتج هذا الجين إنزيماً ضرورياً لإضافة سكر معين إلى جزيء مهم على أغشية الخلايا. وبسبب الطفرة، أصبح هذا السكر مفقوداً، مما أدى إلى تغيير في بنية الجزيء على سطح خلايا الدم الحمراء. هذا التغيير أنتج مُستضداً جديداً، وهو السمة الأساسية التي تحدد فصيلة الدم. ونتيجةً لذلك، تم تصنيف فصيلة الدم الجديدة إلى “غوادا موجبة” (تحتوي على المستضد) و**”غوادا سلبية”** (تفتقر إليه).
فئة دم نادرة لشخص وحيد في العالم حتى اليوم
وأشار موقع Live Science إلى أن السيدة البالغة من العمر 68 عاماً، هي الشخص الوحيد المعروف في العالم الذي يحمل فصيلة دمها هذه، والتي سُميت “غوادا سالب”، تيمناً باسم محلي لجزر موطنها.
أعلن الباحثون وراء هذا الاكتشاف عن عملهم في عرض تقديمي في مؤتمر الجمعية الدولية لنقل الدم في ميلانو، والذي اختتم أعماله في 4 يونيو الماضي.
التقى فريق البحث بالمرأة لأول مرة عام 2011، عندما كانت تعيش في باريس وتخضع لفحوص روتينية قبل إجراء عملية جراحية. لكن الفحوص لم تكشف عن فصيلة دمها أو أي تطابق معها.
علماً أن أنظمة فصائل الدم البشرية أكثر تعقيداً مما تظن. تشير هذه التصنيفات إلى البروتينات والسكريات الموجودة على سطح خلايا الدم الحمراء، والتي تُسمى المستضدات، والتي يتعرف عليها جهازنا المناعي.
حدد عالم الأحياء النمساوي الأمريكي الدكتور كارل لاندشتاينر أول وأشهر نظام لفصائل الدم – ABO – عام ١٩٠١، وحصل على جائزة نوبل عام ١٩٣٠.
البحث عن حاملي فصيلة الدم النادرة
بعد تحديد فصيلة الدم الجديدة “غوادا-سلبية“، أصبح الهدف التالي للعلماء هو العثور على أشخاص آخرين يحملون هذه الفصيلة الفريدة.
ونظراً لأن فصائل الدم هي سمات وراثية تنتقل عبر الأجيال، فغالباً ما تكون شائعة بين المجموعات السكانية ذات الأصول المتشابهة. لهذا السبب، يعتزم فريق البحث تركيز جهوده على المتبرعين بالدم في غوادلوب، وهي الجزيرة التي تنحدر منها المرأة التي تم اكتشاف الفصيلة لديها لأول مرة.
وكما يؤكد بيان المؤسسة الفرنسية للدم (EFS)، فإن “اكتشاف فصائل دم جديدة يعني توفير رعاية أفضل لمرضى الدم النادر”، مما يسلط الضوء على أهمية هذه الأبحاث في تطوير طب نقل الدم.

