لماذا لا يزال “الإنسان البدائي” داخلنا يبحث عن قبيلة رقمية

صحة

سيكولوجية الانتماء: لماذا لا يزال “الإنسان البدائي” داخلنا يبحث عن قبيلة رقمية؟

في الأرشيف التطورى للبشر، لم يكن الانتماء مجرد “خيار اجتماعي”، بل كان شرطاً للبقاء. الإنسان الذي طُرد من قبيلته في العصور الغابرة كان يواجه موتاً محققاً أمام المفترسات أو قسوة الطبيعة. هذا الإرث الجيني لم يختفِ؛ بل انتقل معنا إلى ناطحات السحاب ومواقع التواصل الاجتماعي. نحن نمتلك دماغاً مصمماً للعيش في مجموعات صغيرة متماسكة، ولكننا نعيش في عالم يتسم بالتباعد والوحدة، مما خلق فجوة نفسية عميقة نحاول ردمها بشتى الوسائل.

1. الانتماء كحاجة بيولوجية (The Hierarchy of Needs)

يشير “أبراهام ماسلو” في هرمه الشهير للاحتياجات إلى أن الانتماء يأتي مباشرة بعد الاحتياجات الفسيولوجية والأمان. في الأرشيف العصبي، يفرز الدماغ هرمون “الأوكسيتوسين” عند الشعور بالقبول داخل مجموعة، وهو هرمون يقلل التوتر ويزيد الشعور بالثقة.

على العكس من ذلك، يتم معالجة “الإقصاء الاجتماعي” في نفس مناطق الدماغ التي تعالج “الألم الفيزيائي”؛ مما يعني أن الشعور بأنكِ “منبوذة” أو “وحيدة” ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو ألم حقيقي يشعر به الجسم، وهو ما يفسر لماذا نفعل المستحيل أحياناً لنبدو “مقبولين” اجتماعياً.

2. القبائل الرقمية والبحث عن المشترك

مع تآكل الأشكال التقليدية للانتماء (مثل الحي، أو العائلة الممتدة)، انتقل البشر إلى بناء “قبائل رقمية”. في هذا الأرشيف التكنولوجي، لم يعد الانتماء جغرافياً، بل أصبح قائماً على الاهتمامات المشتركة؛ سواء كانت مجموعة لمحبي القراءة، أو مجتمعاً لمبرمجي لغة معينة، أو حتى جمهوراً لفنان محدد. هذه القبائل توفر لنا “وهم الحضور”، ولكنها غالباً ما تفتقر إلى العمق الذي يوفره التفاعل الجسدي والالتزام طويل الأمد، مما يؤدي لنشوء ما يسميه علماء الاجتماع بـ “الوحدة الجماعية”.

3. مفارقة الهوية: الانتماء مقابل الفردية

يطرح الأرشيف الفلسفي معضلة كبرى: كيف ننتقرض داخل المجموعة دون أن نفقد ذواتنا؟ غالباً ما يتطلب الانتماء نوعاً من “التوافق” (Conformity)، حيث نتبنى آراء المجموعة ونرتدي زيها لنتجنب الإقصاء. هذا الصراع بين الرغبة في أن نكون “أنفسنا” (Authenticity) والرغبة في أن نكون “جزءاً من الكل” هو المحرك الأساسي للقلق المعاصر. الانتماء الصحي هو الذي يسمح للفرد بالتفرد، بينما الانتماء “السام” أو المتطرف هو الذي يطالب بإلغاء الهوية الفردية لصالح الهوية الجماعية.

4. ثمن “اللا-انتماء” في العصر الحديث

يشير الأرشيف الصحي إلى أن “العزلة الاجتماعية” أصبحت وباءً صامتاً. غياب الشعور بالانتماء يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والاكتئاب وضعف المناعة. نحن نعيش في عصر “الفردية المفرطة”، حيث نُقدس الاستقلال الذاتي لدرجة نسينا فيها أننا كائنات تعتمد بصورة متبادلة على بعضها البعض. إعادة بناء “المجتمعات المحلية” وتعميق الروابط الإنسانية البسيطة ليس ترفاً، بل هو ضرورة للصحة النفسية والعقلية في عالم يزداد برودة رقمية.

الخلاصة المعرفية: إن الانتماء هو الخيط الذي يربطنا بالواقع؛ فبدون “الآخر”، نفقد المرآة التي نرى فيها أنفسنا. في هذا الأرشيف، ندرك أن القوة لا تكمن في العزلة، بل في القدرة على إيجاد “القبيلة” التي تدعم نمونا وتتقبل ضعفنا. الانتماء ليس قيداً، بل هو “بيت” نسكن إليه عندما تعصف بنا رياح التغيير. تذكري دائماً أنكِ لستِ مطالبة بأن تكوني “مثلهم” لتنتمي إليهم، بل مطالبة بأن تكوني “أنتِ” في مكان يقدر قيمتكِ كجزء من لوحة أكبر.