عادات وتقاليد رمضان: سحر رمضان الذي لا يغيب

مقالات

عادات وتقاليد رمضان، مع بزوغ هلال شهر رمضان المبارك، لا يتغير فقط الجدول الزمني لليوم، بل تلبس المدن والقرى حلةً من السكينة والبهجة تمتزج فيها العبادة بروحانية التراث. إن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو حالة شعورية متكاملة تغذيها عادات توارثتها الأجيال، لتعطي لهذا الشهر نكهة لا تتكرر في بقية أيام العام.

نداء الهلال.. من “المسحراتي” إلى زينة الشوارع

تبدأ الحكاية قبل ليلة الصيام الأولى، حيث تتحول الشوارع إلى ورش عمل فنية. تتدلى الزينة الورقية والكهربائية، وتتصدر الفوانيس واجهات المنازل والمحلات، في تقليد يعيدنا إلى قرون مضت حيث كان الفانوس رفيق الناس في طريقهم إلى المساجد ليلاً.

أما الشخصية الأكثر سحراً في هذا الشهر، فهي بلا شك “المسحراتي”. ذلك الرجل الذي يجوب الأزقة بهدوء الليل، يضرب على طبلته ضربات رتيبة ومنتظمة، منادياً بعباراته الشهيرة “يا نايم وحد الدايم”. ورغم تطور وسائل التكنولوجيا وتعدد المنبهات، إلا أن صوت المسحراتي يظل الرابط العاطفي الأقوى الذي يوقظ الصائمين لتناول وجبة السحور، مباركاً ليلهم بدعوات الخير.

مائدة الإفطار.. طقوس الاجتماع والبركة

عندما يقترب موعد المغرب في رمضان، تخلو الشوارع من المارة وتتجه الأنظار نحو المائدة. تبدأ الطقوس بكسر الصيام على التمر والماء أو اللبن، اتباعاً للسنة النبوية، قبل أن ينطلق المصلون لأداء صلاة المغرب.

​تتميز المائدة الرمضانية بتنوعها الفريد، حيث تظهر أطباق لا تحضر إلا في هذا الشهر. ففي بلاد الشام نجد “الفتوش” و”الشوربات” بمختلف أنواعها، وفي مصر تتصدر “الملوخية” و”المحاشي”، بينما يتربع “الكسكسي” و”الحريرة” على موائد المغرب العربي. لكن القاسم المشترك في كل هذه الموائد هو “روح الجماعة”؛ فرمضان هو الشهر الذي تجتمع فيه العائلة الكبيرة، وتُفتح فيه الأبواب للجيران والمارة فيما يُعرف بـ “موائد الرحمن”، تجسيداً لقيم التكافل والكرم.

السهرات الرمضانية.. بين العبادة والسمر

بعد صلاة التراويح، يبدأ الفصل الثاني من يوم الصائم. تنشط الأسواق الشعبية وتمتلئ المقاهي بروادها، حيث يتبادل الناس الأحاديث والقصص. ولا يمكن ذكر سهرات رمضان دون الحديث عن الحلويات الشرقية. فالقطائف المحشوة بالمكسرات، والكنافة النابلسية، واللقيمات، والزلابية، هي الأبطال غير المتوجين لهذه الأمسيات، يرافقها دائماً فنجان القهوة العربية أو شاي النعناع.

وفي العديد من الثقافات، تُخصص هذه السهرات لصلة الرحم وزيارة الأقارب، حيث يتم تبادل “العزومات” التي تقوي الروابط الاجتماعية التي قد تشغلنا عنها وتيرة الحياة السريعة في باقي العام.

العشر الأواخر وعبق العيد

مع دخول العشر الأواخر، تزداد وتيرة الروحانية بالاعتكاف في المساجد وتحري ليلة القدر. وفي الوقت نفسه، تبدأ العائلات بالتحضير لاستقبال العيد. هنا تبرز عادة “صناعة كعك العيد” أو المعمول، حيث تجتمع النساء لتشكيل العجين وخبزه في أجواء تملؤها الضحكات وأغاني التراث. هذه الرائحة التي تفوح من الأفران هي الإعلان الرسمي عن قرب رحيل الضيف العزيز واستعداد القلوب للفرح بصيامها.

إن عادات وتقاليد رمضان هي الخيط الرفيع الذي يربط حاضرنا بماضينا، وهي التي تجعل من هذا الشهر مدرسة سنوية للأخلاق، والكرم، والصبر. إنها ليست مجرد طقوس، بل هي “هوية” تذكرنا دائماً بأن أجمل ما في الإنسان هو قدرته على العطاء ومشاركة الفرح مع الآخرين.