صراع “الدماغ العاطفي” و”العقلاني”.. لماذا نكرر أخطاءنا؟
تُشير الدراسات الحديثة إلى أن “الاختيارات السيئة” المتكررة تنبع من خلل في التواصل بين منطقتين رئيسيتين في الدماغ: القشرة الجبهية (المسؤولة عن التفكير المنطقي وتقدير العواقب) والجهاز الحوفي (مركز العواطف والمكافأة الفورية). عند البعض، يكون الجهاز الحوفي أكثر هيمنة، مما يجعلهم ينجذبون للمكاسب اللحظية السريعة (مثل اللذة المؤقتة أو تجنب مواجهة قصيرة الأمد) على حساب الأهداف طويلة المدى. هذا “الانحياز للحاضر” يعطل القدرة على التعلم من تجارب الماضي، حيث يقوم الدماغ بـ “تصفية” الذكريات المؤلمة لنتائج القرارات السابقة ويركز فقط على الرغبة الملحة الحالية، وهو ما يفسر استمرار البعض في علاقات سامة أو عادات مالية مدمرة.
علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون دوراً محورياً لمادة الدوبامين؛ فبعض الأشخاص يمتلكون مستقبلات تجعلهم أقل حساسية للعواقب السلبية وأكثر حساسية للمكافأة. بالنسبة لهؤلاء، فإن “نشوة” اتخاذ القرار أو المخاطرة تطغى على أي تحذيرات عقلانية. كما يلعب الإجهاد المزمن دوراً تخريبياً؛ فعندما يقع العقل تحت ضغط مستمر، يقل تدفق الدم إلى المناطق العقلانية في الدماغ، مما يجبر الإنسان على العودة إلى “الأنماط الآلية” المخزنة في العقل الباطن، وغالباً ما تكون هذه الأنماط هي الدفاعات أو الاختيارات السيئة التي تعودنا عليها في الطفولة أو الأزمات السابقة، مما يخلق حلقة مفرغة من الفشل في اتخاذ القرار السليم.
وفي سياق متصل، برز مفهوم “عمى العواقب” كحالة نفسية يرفض فيها الدماغ معالجة المعلومات التي تتناقض مع رغبته الحالية. هذا الرفض المعرفي يجعل الشخص يبرر اختياراته السيئة بأعذار واهية، وهو ما يسميه علماء النفس “التنافر المعرفي”. إن فهم هذه الآليات البيولوجية هو الخطوة الأولى للعلاج؛ فالتدريب على تقنيات “اليقظة الذهنية” يمكن أن يساعد في تقوية الروابط بين الفص الجبهي ومراكز العواطف، مما يمنح الشخص تلك “الثانية الحاسمة” للتفكير قبل السقوط في فخ الاختيار الخاطئ مرة أخرى، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة في تطوير برامج السلوك البشري والتعافي من العادات القهرية.




