شريحة دماغية تنطق بأفكارك الداخلية: قفزة علمية في عالم التكنولوجيا العصبية
لطالما كان التواصل الفكري المباشر حلمًا يراود البشرية، فمنذ زمن طويل، سعى العلماء إلى فك شفرات الدماغ البشري واستكشاف أسراره. واليوم، لم يعد هذا الحلم مجرد خيال علمي، بل أصبح حقيقة ملموسة بفضل التطورات الهائلة في مجال التكنولوجيا العصبية. لقد شهد العالم مؤخرًا إنجازًا ثوريًا، حيث تمكن فريق من الباحثين من ابتكار أول شريحة دماغية قادرة على ترجمة الأفكار الداخلية إلى كلمات منطوقة. يمثل هذا الاختراع نقطة تحول حاسمة، ليس فقط للمصابين بالشلل أو الفاقدين القدرة على النطق، بل أيضًا لمستقبل التواصل البشري بأسره. فكيف تمكن العلماء من تحقيق هذا الإنجاز؟ وما هي الآفاق التي يفتحها هذا الابتكار أمامنا؟
تؤكد الأبحاث والدراسات السابقة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs)، أن الاختراعات السابقة التي عملت على التقاط إشارات الدماغ أثناء محاولة تحريك أعضاء النطق، مثل الفم واللسان والأحبال الصوتية، مهدت الطريق أمام فريق باحثي جامعة ستانفورد لابتكار شريحتهم الجديدة.
شريحة تترجم الأفكار إلى كلام منطوق
وفقًا لما ورد في وكالة الأنباء السعودية (واس)، تمكن فريق بحثي من جامعة ستانفورد من تحقيق إنجاز يتجاوز الأبحاث السابقة في مجال ترجمة إشارات الدماغ. فبدلاً من الاعتماد على إشارات الدماغ المرتبطة بمحاولة النطق الفعلي، ركز الفريق على ما يُعرف بـ “الحديث الداخلي”، وتمكن من ابتكار شرِيحة دماغية قادرة على ترجمة هذه الأفكار إلى كلام منطوق.
وقد شملت الدراسة أربعة مرضى يعانون من شلل حاد ناتج عن التصلب الجانبي الضموري (ALS) أو سكتة دماغية في جذع الدماغ. وتمت الاستعانة بأحد هؤلاء المرضى، الذي كان يعتمد على حركة عينيه للإجابة بنعم أو لا، كحالة دراسية. وأكدت نتائج الدراسة فعالية الشريحة، حيث نجحت في تحويل إشارات الدماغ إلى كلمات منطوقة.
قام فريق البحث بطلب المشاركين محاولة النطق أو تخيل الكلمات بصمت، وذلك بعد أن قاموا بزرع مصفوفات من الأقطاب الكهربائية في القشرة الحركية المسؤولة عن الكلام. ومن خلال ذلك، استعان الفريق بنماذج الذكاء الاصطناعي لفك شفرة الأنماط العصبية المرتبطة بـالوحدات الصوتية (الفونيمات)، ومن ثم تجميعها لتكوين جمل.
شريحة تمنح الأمل لفاقدين النطق
أظهرت النتائج أن أنماط الحديث الداخلي تشبه إلى حد كبير محاولات النطق الفعلي، حيث بلغت دقة التعرف على الكلمات في الوقت الحقيقي 74%، على الرغم من ضعف الإشارات العصبية. وقد كشف الباحثون عن ملاحظة مثيرة للاهتمام خلال التجربة، حيث التقطت الشريحة الدماغية كلمات لم يطلب من المشاركين تخيلها، مما أثار مخاوف بشأن خصوصية المشاركين.
ولتفادي هذه المشكلة، قام الفريق بتطوير نظام كلمة مرور يمكن من خلاله فك شفرة الأفكار فقط عند تخيل عبارة محددة، وحقق هذا النظام نسبة نجاح وصلت إلى 98%. ويؤكد العلماء أن هذا الابتكار سيمكن المصابين بالإعاقات الحركية من استعادة التواصل الطبيعي مع العالم الخارجي، مما يمثل خطوة هائلة نحو تحسين جودة حياتهم.




