“الأدمغة المصغرة” في المختبر.. نافذة علمية جديدة لكشف أسرار التوحد

صحة

“الأدمغة المصغرة” في المختبر.. نافذة علمية جديدة لكشف أسرار التوحد

في عام 2025، حقق علماء الأعصاب قفزة نوعية في فهم الاضطرابات النمائية من خلال ابتكار ما يعرف بـ “الأورجانويد” (Organoids) أو الأدمغة البشرية المصغرة. هذا الابتكار الثوري يعتمد على أخذ خلايا جذعية من المصابين باضطراب طيف التوحد وإعادة برمجتها لتنمو في المختبر كأنسجة دماغية ثلاثية الأبعاد تحاكي في تكوينها الدماغ البشري في مراحله الجنينية الأولى. الهدف الأساسي من هذه التقنية هو تحديد “الخلايا المسؤولة” بدقة عن الإصابة، حيث يتيح هذا النموذج للعلماء مراقبة كيفية تواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض في بيئة مسيطر عليها، وهو أمر كان مستحيلاً في السابق نظراً لتعقيد الدماغ البشري وصعوبة دراسته بشكل مباشر داخل الجمجمة.

لقد كشفت الدراسات الأولية باستخدام هذه الأدمغة المصغرة أن جذور التوحد تبدأ في وقت مبكر جداً أثناء التطور الجنيني، وتحديداً في مرحلة تكوين “القشرة الدماغية”. وقد لاحظ الباحثون وجود خلل في التوازن بين الخلايا العصبية “المثيرة” والخلايا “المثبطة”، حيث تميل الكفة نحو الإثارة الزائدة، مما يفسر الحساسية العالية للمثيرات الحسية (مثل الضوء والصوت) التي يعاني منها أطفال التوحد. وبفضل هذه النماذج المخبرية، تمكن العلماء من رصد بروتينات معينة تُفرز بشكل غير طبيعي، مما يعيق تكوين الوصلات العصبية (السينابس) المسؤولة عن المهارات الاجتماعية واللغوية، وهذا الاكتشاف يضع أيدينا لأول مرة على “المجرم البيولوجي” الحقيقي وراء أعراض التوحد المعقدة.

علاوة على ذلك، تمثل الأدمغة المصغرة “منصة اختبار” مثالية للأدوية والعلاجات الجديدة. فبدلاً من تجربة الأدوية على الحيوانات التي تختلف أدمغتها جذرياً عن أدمغة البشر، يمكن الآن اختبار فاعلية المركبات الكيميائية مباشرة على خلايا بشرية مصابة بالتوحد في المختبر ومراقبة مدى قدرتها على إصلاح الخلل الخلوي. إن هذا الابتكار لا يساهم فقط في الفهم النظري للمرض، بل يمهد الطريق لما يعرف بـ “الطب الشخصي”، حيث يمكن مستقبلاً ابتكار علاج خاص لكل طفل بناءً على “دماغه المصغر” الخاص به، مما يرفع نسب التحسن ويقلل من الآثار الجانبية للأدوية التقليدية، ويمنح الأمل لملايين العائلات حول العالم في الحصول على مستقبل أفضل لأطفالهم.