أسباب تشوش الذهن بعد الولادة.. عندما يعيد الدماغ صياغة نفسه
يعود السبب الرئيسي لتشوش الذهن بعد الولادة إلى “الفيضان الهرموني“؛ فبمجرد خروج المشيمة، تنخفض مستويات الإستروجين والبروجسترون بشكل حاد وسريع، وهي الهرمونات التي كانت تدعم الوظائف الإدراكية طوال فترة الحمل. هذا الانخفاض المفاجئ يؤثر على النواقل العصبية في الدماغ المسؤول عن التركيز والمزاج. بالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسات عام 2025 عبر التصوير بالرنين المغناطيسي أن دماغ الأم يشهد تقلصاً مؤقتاً في “المادة الرمادية” في مناطق معينة مسؤولة عن الذاكرة، مقابل نمو في المناطق المسؤولة عن “الذكاء العاطفي والارتباط”، وهو ما يفسر لماذا تنسى الأم مفاتيح سيارتها لكنها تستطيع تمييز نغمة بكاء طفلها من بين مئات الأطفال.
إلى جانب الهرمونات، يلعب “الحرمان المزمن من النوم” الدور الأكبر في تعزيز هذا التشوش. فالدماغ يحتاج إلى دورات نوم عميقة (REM) ليقوم بترتيب المعلومات وتثبيت الذاكرة، وهو أمر شبه مستحيل في الأشهر الأولى من عمر الرضيع. هذا النقص يؤدي إلى بطء في معالجة المعلومات وصعوبة في استحضار الكلمات. كما أن “الحمل الذهني” الهائل للأم، وتفكيرها المستمر في مواعيد الرضاعة، وتغيير الحفاض، وسلامة الطفل، يستهلك كامل طاقة “المعالجة المركزية” في الدماغ، مما يجعل المهام الأخرى (مثل الطبخ أو العمل) تبدو ضبابية وغير واضحة، وكأن العقل يعمل بطاقة محدودة جداً.
أخيراً، لا يمكن إغفال دور “نقص المغذيات”؛ فعملية الولادة والرضاعة الطبيعية تستنزف مخازن الحديد، وفيتامين B12، وأوميجا 3 من جسم الأم، وهي عناصر حيوية لعمل الخلايا العصبية. في عام 2026، يركز أطباء النساء والولادة على أن “ضباب الدماغ” هو في الواقع آلية تكيفية؛ فهو يجعل الأم تركز فقط على ما يهم لبقاء طفلها حياً، ويحجب المشتتات الخارجية. ومع استقرار الهرمونات وعودة نمط النوم للانتظام تدريجياً، يبدأ الدماغ في استعادة مادة الرمادية وقدراته الإدراكية السابقة، وغالباً ما تصبح الأم أكثر قدرة على إدارة الأزمات والتركيز العالي عما كانت عليه قبل الإنجاب.




